يوضح الكاتب وعالم النفس الإكلينيكي كريستوفر ويلارد أن الذكاء والنجاح لا يضمنان امتلاك مهارات استماع جيدة، بل قد يقودان أحيانًا إلى نتيجة معاكسة. فالأشخاص الأكثر ذكاءً يعالجون المعلومات بسرعة أكبر، ويكوّنون استنتاجاتهم مبكرًا، ويجهزون ردودهم قبل أن ينهي الطرف الآخر حديثه، ما يقلل قدرتهم على الإنصات الحقيقي وفهم المشاعر والإشارات غير اللفظية المصاحبة للكلام.
ونشر موقع سايكولوجي توداي التقرير موضحًا أن هذه الظاهرة لا ترتبط بعيوب شخصية بقدر ارتباطها بآليات عمل الدماغ. فكلما زادت سرعة التفكير، ازداد الميل إلى توقع ما سيقوله الآخرون بدلًا من الاستماع إليهم بعناية، وهو ما يحرم الحوار من عناصر مهمة مثل نبرة الصوت والتردد والانفعالات الخفية.
كيف يضعف الذكاء مهارة الاستماع؟
يشير التقرير إلى أن الدماغ السريع ينجز عدة خطوات ذهنية خلال ثوانٍ معدودة. فعندما يبدأ شخص في الحديث، يتوقع المستمع الذكي نهاية الفكرة بسرعة، ثم ينتقل إلى إعداد رده الخاص. وعند هذه اللحظة يتوقف التركيز الفعلي على الرسالة الأصلية، ويحل محله انتظار فرصة للحديث.
ويضيف الكاتب أن المبدعين والأشخاص ذوي القدرات الذهنية المرتفعة يعانون كذلك من مستويات أعلى من القلق والانشغال بالأفكار الداخلية، ما يستهلك جزءًا من الانتباه المطلوب لفهم الطرف الآخر. لذلك قد يبدو المستمع حاضرًا جسديًا، بينما يبتعد ذهنيًا عن مجرى الحوار.
النجاح والسلطة يخلقان حاجزًا إضافيًا
يلفت التقرير إلى أن الأبحاث تربط بين ارتفاع المكانة الاجتماعية أو المهنية وبين تراجع القدرة على الاستماع وفهم وجهات نظر الآخرين. فكلما صعد الفرد في السلم الوظيفي، زاد ميل المحيطين به إلى إخفاء اعتراضاتهم أو تعديل آرائهم لتتوافق مع توقعاته.
وتدفع هذه البيئة أصحاب المناصب إلى الاعتماد على أحكامهم السريعة وثقتهم العالية بقراراتهم، وهي صفات تساعدهم على النجاح المهني، لكنها قد تضعف فضولهم واستعدادهم للاستماع إلى أفكار جديدة أو مختلفة. ومع مرور الوقت، يعتقد كثير من القادة أنهم يملكون الصورة الكاملة، بينما يفقدون تدريجيًا القدرة على سماع ما يقوله الآخرون بالفعل.
لماذا نصغي أقل إلى أقرب الناس؟
يعرض التقرير مفهومًا بحثيًا يُعرف بـ"انحياز الألفة"، ويقصد به ميل الإنسان إلى الاستماع بصورة أسوأ للأشخاص الذين يعرفهم جيدًا. فعند الحديث مع شريك الحياة أو صديق قديم أو زميل مقرب، يعتمد الدماغ على نماذج ذهنية سابقة بدلًا من متابعة الكلمات الحالية.
ويرى الباحثون أن هذا الانحياز يفسر كثيرًا من الخلافات بين الأشخاص المقربين، إذ يظن كل طرف أنه يعرف مسبقًا ما يفكر فيه الآخر، فيتفاعل مع تصورات قديمة بدلًا من الإنصات إلى ما يقوله في اللحظة الراهنة. ولهذا السبب قد يشعر البعض أحيانًا بأن شخصًا غريبًا يفهمهم أكثر من أقرب المقربين إليهم.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن الشرود الذهني أثناء المحادثات أمر طبيعي، لكن تحسين الاستماع يبدأ بملاحظة لحظة التشتت والعودة مجددًا إلى الحديث. فكل عودة واعية للإنصات تمثل تعبيرًا عن الاحترام والتقدير للطرف الآخر، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة العلاقات الإنسانية والتواصل الفعال.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/enlightened-livelihoods/202603/why-the-most-intelligent-people-can-be-the-worst-listeners

